فلسفة المشروع الرؤيوية

في المرآة صفر ناقص واحد يُعقّد حسين البرغوثي مفهوم الموت مشيرًا إلى أن “موت الشخص هو موت اسمه ومكانه”. وبهذا يمهّد لحياة لا ينال منها الموت الجسدي، حياة الفكرة، وكأن جسده المادّي مجرّد وسيط لبلورة فكرة ما سيحملها اسمه فيما بعد. ولكن على خلاف الجسد، فإن الاسم ليس ملكًا لصاحبه، ولذا فإن الحياة التي يعدُ بها الاسمُ صاحبَ الفكرة هي حياة مُصادرة وحرّة في آن، حياة تحرّرت من أعباء الجسد ومحدوديّاته، وصادرها الإرث الاسميّ بما هو إحالة للفكرة التي تتّخذ مساكنها في عناصر هذا الإرث المترامي بين نصوص وأغانٍ وأحاديث وأجوبة وتأمّلات وأسلوب حياة ومواقف. جئنا نبحث عنها بشموليّتها، باعتبارها عناصر في مشروع فكرة متكاملة ما أتاح لها الوقت أن تتكامل، جئنا نحذف منها ونضيف إليها ونكتشف لحنها ونتماوج معه أو نعيد تلحينها، جئنا نردد هذا الإرث الاسميّ بأذهانٍ مستيقظة لا بأفواه حجرية، ونعي ثقله وخفّته المترادفتين. جئنا نشارك في الحوار العضويّ الذي فهمه حسين بين الجديد والتقاليد، ونختبر كيف يكون الإرث ذاته متفجرًا متجدّدًا ثائرًا خصبًا بولادات تحمل الجينات وطفراتها معًا، لنستشرف مستقبلًا لا يكون مجرّد مفهوم زمني ذي علاقةٍ خطّيّة مع أسلافه بل طبقة وعي أخرى متداخلة ومتراكبة. جئنا نقيم علاقة تفاعلية مع إرث حسين بوحي من العلاقة التي أقامها هو مع إرث من سبقه أو عاصره، هذه العلاقة التي عرفنا بعض جوانبها من ولع قصائده بالتناصّ الأدبي. هنا، لم يكتفِ حسين بأن يكون التناص مجرّد اقتباسِ مقاطعَ من نصوص في نصوص أخرى وتحويرها وتغيير سياقها الأدبي والتاريخي، بل يمكن لمقاطع من حياة أن تٌقتبس في حياة أخرى، ليبدو القرار الذي اتّخذه أخيل ابن ثيتيس حين اختار أن يموت هو ويخلد اسمه، على أن يموت اسمه ويعيش هو كما لو كان تناصًّا هاجسيًّا في حياة حسين الذي استطاع أن يترك اسمًا جديرًا بالحياة. وأن يَحيى الاسم، يعني ألّا يُنسى، ولكيلا يُنسى عليه أن يتعلّق بأحبال ذاكرة خالدة، والذاكرة لا تخلد إن لم تكن جمعيّة، وكي يفعل الاسم ذلك، عليه أن يرتبط بنتاجٍ جمعيّ كلّاني، أن يخطو، غارسًا قدمًا في الماضي وقدمًا في المستقبل، وأن يسبح، فاردًا ذراعًا في قرارة الفرد المتفرّد وذراعًا في قرارة المجتمع. وهذا ما سعى إليه حسين، من خلال توقه لكتابة الذي لا يُنسى، الذي ظلّ حاضرًا ومُلحًا حتّى دفعنا كما دفع الكثيرين للنبش فيه. وكما اعترض المونتير في مرايا سائلة على وصف المخرجة لنصّه بأنه جميل، قائلًا “أريد قصيدة لا تُنسى، وليس جميلة”، جئنا نحن بحثًا لا عن الجمال فقط ولكن عن ذاك الذي لا يُنسى أيضًا، ذلك الذي لم يُنسَ، وجئنا لنطيل زمان حضوره، ونتشارك معه الأنفاس. جئنا نجرّب ونختبر كيف يكون صدق التجربة هو عمق التوغّل فيها و”عمق التجربة هو صدق التحوّل فيها”[5]

جئنا نشارك في ترتيب ما أسماه عبد الرحيم الشيخ “كولاج ذلك جميعًا”، بالطريقة التي جرّبها “المونتير”، ونجرّب نحن وضع الأشياء معًا، ناظرين إلى نتاج حسين بكلّيّته، باعتباره “مشروعًا” تراكميًا آخذًا بالتطوّر، يمكن تلمّس صفته التراكميّة هذه بما هو أبعد من بينونتها في التحوّلات الشعرية التي كتب عنها أشرف زغل[6] لدى حسين البرغوثي، وننظر في عملية الولادة ذاتها، أي، في فعل الإبداع الذي يشكل أحد أساسات “مشروع” حسين، في انبثاق شكل من آخر، وفكر من آخر، وشكل من فكر وفكر من شكل، جئنا نتأمّل التحوّل الذي كتب عنه حسين ونتأمّل حسين المتحوّل بعينِ ذهنٍ واحدة هي أيضًا متحوّلة. آملين أن نتعامل مع المعرفة كشيء نقبض عليه ونفلته، ومع أذهاننا كمساحة شاغرة وشاغلة دومًا لا تفقد اتساعها ولا سعتها مهما امتلأت. جئنا نعرف حسين معرفة تحرّرنا من ذاتها قبل أن تحرّرنا من ذواتنا، معرفة تأتي وهي مستعدّة للرحيل وترك أثر ما. جئنا نخطّ أسطرنا فوق “الطِّرس” الذي كتب عليه حسين.

جئنا نبحث عن صفتي النبوة والفلسفة اللتين “نشعر” بامتزاجهما في شعرية حسين، ونبحث في ترجمة ذلك خارج المفاهيم المجرّدة والمثاليّات. أي، نسأل مثلًا: لماذا نحسّه فيلسوفًا؟ ما هي التوجّهات الفلسفية التي يحملها أدبه أو فكره؟ ما هي الفلسفة؟ هل إذا نزعنا “فلسفته” من بنيتها الأدبية بحثًا عنها نجدها قائمةً دون جمالياتها؟ هل نستطيع أن نبني نحن فلسفة قائمة على نتاجه؟ كيف؟ هل لا يزال حسين موجودًا، كيف، أين، لماذا، ما موقعنا في هذا الوجود، وكيف مثلًا يكون تفكيرنا بجدلية الذات والآخر الهيغيلية كتفسيرٍ لهذا الوجود ترجمةً حيويّة لشعورنا بارتباط حسين بالفلسفة؟ جئنا نسأل ونحاول الإجابة.

أن نبقي خلال صياغتنا لهذا المشروع التكاملي في متناول اليدّ أيضًا أسئلة حول: ما الذي علينا الالتفات إليه والتوقف عنده، وما هو ذلك الذي يعنينا والذي لا يعنينا ولماذا؟ هل تعني العودة إلى حسين بما اكتمل منه عودةً إلى كلّ ما بدر منه؟ هل هناك أشياء فعلها أو كتبها أو قالها حسين قد تُعتبر غير ذات علاقة بمشروع حسين؟ مرضه بالسرطان، موته، جنونه، تحرّكاته الجغرافية، حتى كتاباته، سيرته، هل يجب أن تعنينا كلّها؟ ما هي حدود الكمّيّ وحدود الكيفيّ وآفاقهما في هذا المسعى ذي الطموح التكاملي؟

لماذا يثير بحثنا عن نتاج حسين بالذات كل هذا الأسئلة؟ لماذا تحمّسنا له جميعًا؟ كيف نموقع هذا الحماس ذاته في كتابات حسين عن تداخل السياقات وانفتاحها على بعضها لإدراك الصيغة الأكمل، ثمّ نعيد موقعته في بحثنا نحن عن مشروع أدبي فلسفي يستجيب بمرونة للمرحلة والظروف؟ ربما نجد للإجابة مكامنَ أولًا: في ما يظهره مشروعه من تلاحم عضوي مع المجتمع، في إصراره على ممارسة البساطة والوضوح “ومن قال إن الواضح ليس غامضًا”؟[7] وفي ميله نحو التصعلك الأدبي من خلال إعادة مُصادرة الأدب من النخبة وإرجاعه إلى مناشئه في الشوارع والبيوت والمقاهي والحقول دون تنازل أو مساومة أو هزيمة أو استسلام لا لتقاليد مجتمعية ولا لنظم شعرية وأشكال أدبية ولا لتكاليف مؤسساتيّة، مستمدًّا وقوده الإبداعي من التصالح مع الذات بدلًا من الاعتراف الخارجيّ، مبرهنًا أن الأدب عليه أن يكون طورًا من الحلم الذاتي، والحلم طورًا من التجربة الجمعيّة، ولكن دون أن تصبح ممارسة الأدب مجرّد تمرين يوغا لتحقيق السلام الداخلي، بل فنًّا قتاليًّا لإحداث ثورة.

وثانيًا: في التشابك بين عالمه الأدبي وعالمه الشخصي، لا كشخصٍ يكتفي بإسقاط تجربته على أدبه على حساب الخيال والإبداع، ولكن كشخص يوجه كل من حياته ونتاجه نحو هدف واحد، بطريقة تكون فيها إشارة رونالد بارت إلى “موت المؤلّف” لحظة الكتابة والتي يقدّم لها بادئًا من تعريفة للأدب باعتباره “ذلك الشيء الغريب الذي تهجّ نحوه كلّ الكائنات فتتمازج فيه أصوات الكاتب وكائناته الأدبية بطريقة لا يمكن الفصل بينها مُضيعةً كلّ هوية فردية”، هي ذاتها إشارة إلى حياة النصّ بعد موت الكاتب باعتبارها امتدادًا أثيريًا لحياة الكاتب، فتصبح الأطروحات الداعية إلى قراءة المعنى من النوايا التي يضمرها المؤلّف وتلك التي تُنظّر لقراءته من الأعراف والعلاقات اللغوية بين عناصر النص ذاتها غير منفصلة أو متضادّة.

هذا المشروع دعوة لممارسة الفعل الإبداعي مراوحةً بين عمليتي البحث والإنتاج.

________________________________________________

[5] حسين البرغوثي، المجموعة الشعرية الكاملة.
[6] أشرف الزغل، “شعرية حسين البرغوثي: من الإصغاء إلى تأتأة الوجود”، مجلة الدراسات الفلسطينية، ع 144، ربيع 2018.
[7] حسين البرغوثي، “السادن، الناقة: قصص عن زمن وثني”، المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي، 2003.