فلسفة المشروع الاسميّة

بدت محاولة تسمية المشروع مشروعًا بحد ذاته، على خطانا أن تتحرّك فيه بحَذَرٍ لغويّ فوق أرض الأسئلة التي تجوبها ماذا ولماذا. ما الذي نفعله في هذا المشروع، ولماذا نفعله؟ أولًا نختار اسمًا، وندرك فيه قصورًا ما، ثم نفكّر في غيره، شيء أشمل ربّما، أو أكثر قدرة على لملمة ذيول الفكرة والطموح. علينا أولًا أن نعرف الفكرة معرفة مُلمّة، ثم نعرف اسمها، أو أحد أسمائها التي يمكننا أن نُنتجها في النهاية بعد اكتمال الفكرة، وأن نقدّمها للناس في البداية، واثقين بأنّها ستسابق ما جاء قبلها وتسبقه إلى أذهانهم، قادرة على أن تقول لهم بصدق ما تحمله. هكذا يستحقّ اللفظ مكانته في رأس الصفحة ليؤدّي وظيفة العنوان، نظنّ.

 نحسّ بعجز غير مفاجئ، عجزٍ علكَته بتمهّل واسترسال نظريات الاتصال واللسانيات والسيميائية واللغويات والرمزية والتفكيكية، عجز يتعزّز بالخوف حين يحاصرنا إدراكنا أن هذا المشروع يتمحور أولًا حول كاتب، أي حول شخصٍ نتاجه مغروس في تربة اللغة والمعنى والفكرة والعلاقة الشائكة بينها، وثانيًا حول كاتب تظهرُ في كتاباته حساسية نظرية عالية لهذه المسألة بالذات، كاتبٍ على دراية بخطورة اللغة حين نعي أي علاقة تربطنا بها. نخاف أن نختار تسمية لا تليق عملية اختيارها ونتيجتها بالمعرفة التي يمتلكها الشخص الذي نستهدفه بهذه التسمية. نحسّ أنه سيكشفنا بسهولة، نخاف أن نحبطه، أن نبتذله، أن نقدّم له سببًا آخر للخذلان. نخاف… كما لو كان ما يزال حاضرًا، جالسًا هناك على رأس الجبل يراقبنا بهدوء ويحلّل ما سنفكّر به، وما سنفعله وما سنقوله. وهنا، عند هذا الهاجس بالذات نُنيخ مطيّنا، لا لنريحها ونستريح، ولكن لنسكن في رمال متحركة، بعد أن اختبرنا التحرّك فوق رمال ساكنة.

كما لو كان ما يزال حاضرًا. ما الذي يعنيه ذلك، ما هي “روح حسين الباقية” التي أحسّ بها قرّاؤه وكتب لها أصدقاؤه، والتي جئنا في أثرها، هل هذه الروح هي أحد الأشكال التي اتّخذها “الأثر الذي لم يرد حسين المرور على الأرض دون أن يتركه” كما قال للكاميرا في أيامه الأخيرة، وتركه أو ترك جزءًا منه؟ هل هي الشيء الذي صاغه حسن حلواني[1] ببساطة وصدق حين قال: “ترك فينا شيئًا يصعب عليّ فهمه أو كتابته”؟ الشيء الذي جعل رجاء غانم تقول في رسالتها لـ “روحه”: “أراني اليوم قد مت وظللت أنت الحيّ”؟[2] ما طبيعة الشيء الذي تركه وجعلنا في حالة شعور دائم بالحاجة للبحث فيه وعنه؟

يبدو كل هذا الجهد المبذول لمطاردة “روح حسين الحاضرة” مُطاردًا منذ البداية من هذه الروح، كرمز الأفعى التي تلدغ ذيلها، والتي أثارت هوس حسين بالهندسة الدائرية، كما لو أن هذا المشروع، مهما فعلنا فيه وأينما وجّهناه لن تكون خطانا به إلّا نقاطًا واقعة تمامًا على قوس دائرة فلسفة “المشروع” المحيط بحسين ونتاجه. نأمل لمشروعنا ألّا يكون مجرّد جهد ثقافي ميكانيكي حول حسين أو عنه، بل أن يكون امتدادًا اندماجيًّا لجهد حسين ومشروعه، أن تتلبّسَ أجسادنا هذه “الروح الحاضرة” لنرى رؤياه، بتلك التي قال إنها “عيون انبهار لا عيون رماد”[3]، أن نكونَ “القصيدة التي في ذهنه” وأن نُكوّنها، ونشارك “المونتير” في منتجتها.

جئنا نطيح الحدود بين ثنائيات الموت والحياة والحضور والغياب والذاكرة والنسيان، على الأقلّ، على الأوضح.

جئنا نستحضر، والاستحضار فيه طلب حضور الشيء (إن غاب)، وإبقاؤه حاضرًا في الذهن (إن وُجد)، وتذكّره (إن نُسي). وسامَحْنا هذا العنوان – مُتخلّين عن فكرة الكمال التي تخلّى عنها حسين- وسمحنا له اختزال ما فيه محاولة استعادة، واستبقاء، واستدعاء، واستحقاق، ومراكمة، واستكمال، وتلبّس، وتأمّل، لا لحسين البرغوثي بصفته الذاتية – فإن هذه الصفة، وعلى غير المتوقّع، تتراجع أمام اتّساع الهالة الناشئة عنها، أي تصبح جزءًا منها – بل لتركته وإرثه المعنوي والفكري، للشيء الذي يصعب فهمه أو كتابته، للحالة التي أثارها دون ضجيج. جئنا نثير ضجيجها. “جئنا لنجعل منه شبحًا لنا، غير مكتفين بأن نكون نحن أشباحه، سائرين على هدي ما قاله كاهن الشعر لكاهن الكعبة في مدارات الاستثنائي: “عندما تتخيّل ما أقوله، وتراني، أنت شبحي، وحين تُفسّر ما أقوله، وتغيّر في معناه ليصبح مرآة روحك، فأنا شبحك”.[4] رسالة واضحة، يدعونا فيها حسين، حتى لو نظرنا إليه بأعين من انبهار، ألّا نتبنّاه كما هو، ألّا نجمد أمامه ونجمّده أمامنا، بل أن نغيّر، أن نفسّر، أن ننقد وننتقد، وأن نجعل من أدبه وحكمته وتعاليمه “مرآة” لروحنا، لا أن نكتفي بأن تكون روحنا مرآة لهذه الحكمة، أي، ألّا نحوّل أذهاننا إلى مجرّد أداة استقبال وانعكاس لمحتوى ما، بل أن تكون أذهاننا هي المحتوى الذي يبحث في الفكر عن مرايا لانعكاساته.

______________________________________________________________________________________

[1] حسن حلواني، “الروح المقمرة: إلى حسين البرغوثي… الضرورة”، في حسين البرغوثي، :سقوط الجدار السابع” بيت الشعر الفلسطيني، ط2، 2006، ص12.
[2] رجاء غانم، “صبح الخير يا حسين”، مجلة الدراسات الفلسطينية، ع 114، ربيع 2018.
[3] حسين البرغوثي: مرايا سائلة.
[4] حسين البرغوثي، “السادن، الناقة: قصص عن زمن وثني”، المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي، 2003، ص 63.